الفيض الكاشاني

183

أنوار الحكمة

العالم حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك الحكم ، وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقيّة الأسباب - لولا ذلك السبب - ولم يحصل لها العلم بذلك السبب بعد ، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب بعد ، ثمّ لمّا جاء أوانه واطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأوّل ، فيمحو عنها نقش الحكم السابق ، ويثبت الحكم الآخر . فإنّ شأن النفوس أن يكون توجّهها إلى بعض المعلومات واستحضارها إيّاها واشتغالها بها يذهلها عن البعض الآخر . وإذا كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعها متكافئة ، ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد - لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد - كان له التردّد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ، فينتقش فيها الوقوع - تارة - واللاوقوع أخرى ؛ فهذا هو السبب في المحو والإثبات والحكمة فيهما . وأمّا صحّة نسبة البداء والتردّد وأمثالهما إلى اللّه عز وجلّ مع إحاطة علمه بالكليّات والجزئيّات جميعا - أزلا وأبدا - على ما هي عليه في نفس الأمر ، من غير تطرّق تغيّر ونقص فيه جل وعز ، فالوجه فيه ما ذكره استاذنا - دام ظلّه - قال « 1 » : « لمّا كان ما يجري في العالم الملكوتي إنّما يجري بإرادة اللّه عزّ وجلّ ، بل فعلهم بعينه فعل اللّه تعالى ، حيث أنّهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ 66 / 6 ] ؛ إذ لا داعي لهم على الفعل إلّا إرادة اللّه - جلّ وعزّ - لاستهلاك إرادتهم في إرادته - تعالى - ومثلهم كمثل الحواسّ للإنسان : كلّما همّ بأمر محسوس امتثلت الحاسّة لما همّ به وأرادته دفعة ، فكلّ كتابة تكون في هذه الألواح والصحف فهو أيضا مكتوب اللّه - عزّ وجلّ - بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأوّل .

--> ( 1 ) صدر المتألهين راجع شرح الكافي لصدر المتألهين : الحديث الأول من باب البداء ( ص 381 ) ملخصا . وأيضا : الأسفار الأربعة : 6 / 395 - 399 .